محمد هادي معرفة

203

شبهات وردود حول القرآن الكريم

تلك التحرّكات ، وظنّ أنّها تسعى . « 1 » وذلك أنّهم أخذوا مصارين أو آدم مصنوعة على صور الحيّات والأفاعي ، وجعلوا في أجوافها زآبق وتركوها بصورة العصيّ والحبال في ساحة بعيدة عن متناول الناس ومشاهدتهم القريبة . وكانت الساحة قد حفرت تحتها أسراب وأشعلوا فيها نارا فأثّرت حرارتها من تحت وحرارة الشمس من فوق ، فجعلت الزآبق تتمدّد وتتقلّص ، وتراءى للنّاس أنّها تسعى . ومن ثمّ قال تعالى : سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ . « 2 » وما هي إلّا شعوذة لا واقع لها سوى تخييل ظاهريّ مجرّد . قال الطبرسي : احتالوا في تحريك العصيّ والحبال بما جعلوا فيها من الزئبق حتّى تحرّكت بحرارة الشمس وغير ذلك من الحيل وأنواع التمويه والتلبيس ، فخيّل إلى الناس أنّها تتحرّك على ما تتحرّك الحيّة . وإنّما سحروا أعين الناس ، لأنّهم أروهم شيئا لم يعرفوا حقيقته وخفي ذلك عليهم لبعده منهم ، فإنّهم لم يدعوا مجالا للناس كي يدخلوا فيما بينهم [ خوف فضح أمرهم ] . قال : وفي هذا دلالة على أنّ السحر لا حقيقة له ، لأنّها لو صارت حيّات حقيقة لم يقل اللّه سبحانه : سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ بل كان يقول : فلمّا ألقوا صارت حيّات . وقد قال سبحانه أيضا : يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى . « 3 » وامّا وصف سحرهم بالعظمة ، فلأجل استعظام الناس ذلك المشهد الرهيب . يقول الرازي في ذيل هذه الآية : واحتجّ به القائلون بأنّ السحر محض التمويه . قال القاضي : لو كان السحر حقّا لكانوا قد سحروا قلوبهم لا أعينهم ، فثبت أنّ المراد أنّهم تخيّلوا أحوالا عجيبة مع أنّ الأمر في الحقيقة ما كان على وفق ما تخيّلوه . قال الواحدي : بل المراد ، سحروا أعين الناس أي قلبوها عن صحّة إدراكها بسبب تلك التمويهات . وقيل : إنّهم أتوا بالحبال والعصيّ ولطّخوا تلك الحبال بالزئبق وجعلوا الزئبق في دواخل العصيّ ،

--> ( 1 ) مجمع البيان ، ج 7 ، ص 18 . ( 2 ) الأعراف 7 : 116 . ( 3 ) مجمع البيان ، ج 4 ، ص 461 .